أبي بكر الكاشاني

251

بدائع الصنائع

لان مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر ولا شك ان الابعد متمكن من احراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالبا والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على احرازه غالبا لان الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالبا وكذا الكفء المطلق لأن المرأة تخطب حيث هي عادة فكان الابعد أقدر على احراز الكفء من الأقرب فكان أقدر على احراز النظر فكان أولى بثبوت الولاية له إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام كما في الأب مع الجد وأما قوله إن ولاية الأقرب قائمة فممنوع ولا نسلم أنه يجوز انكاحه بل لا يجوز فولايته منقطعة بواحدة وقد روى عن أصحابنا ما يدل على هذا فإنهم قالوا إن الأقرب إذا كتب كتابا إلى الابعد ليقدم رجلا في الصلاة على جنازة الصغير فان للأبعد ان يمتنع عن ذلك ولو كانت ولاية الأقرب قائمة لما كان له الامتناع كما إذا كان الأقرب حاضرا فقدم رجلا ليس للأبعد ولاية المنع والمعقول يدل عليه وهو أن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه ولا مدفع لحاجته برأي الأقرب لخروجه من أن يكون منتفعا به بالغيبة فكان ملحقا بالعدم فصار كأنه جن أو مات إذ الموجود الذي لا ينتفع به والعدم الأصلي سواء ولان القول بثبوت الولاية للأبعد مع ولاية الأقرب يؤدى إلى الفساد لان الأقرب ربما يزوجها من إنسان حيث هو ولا يعلم الابعد بذلك فيزوجها من غيره فيطؤها الزوج الثاني ويجئ بالأولاد ثم يظهر أنها زوجة الأول وفيه من الفساد ما لا يخفى ثم إن سلمنا على قول بعض المشايخ فلا تنافى بين الولايتين فأيهما زوج جاز كما إذا كان لها اخوان أو عمان في درجة واحدة وفيه كمال النظر في حق العاجز لان الكفء ان اتفق حيث الابعد زوجها منه وان اتفق حيث الأقرب زوجها منه فيكمل النظر الا أن في حال الحضرة يرجح الأقرب باعتبار زيادة الشفقة لزيادة القرابة وبه تبين ان نقل الولاية إلى السلطان باطل لان السلطان ولى من لا ولى له وههنا لها ولى أو وليان فلا تثبت الولاية للسلطان الا عند العضل من الولي ولم يوجد والله الموفق واختلفت الأقاويل في تحديد الغيبة المنقطعة وعن أبي يوسف روايتان في رواية قال ما بين بغداد والري وفى رواية مسيرة شهر فصاعدا وما دونه ليس بغيبة منقطعة وعن محمد روايتان أيضا روى عنه ما بين الكوفة إلى الري وروى عنه من الرقة إلى البصرة وذكر ابن شجاع إذا كان غائبا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في السنة الا مرة واحدة فهو غيبة منقطعة وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة غير مرة فليست بمنقطعة وعن الشيخ الامام أبى بكر محمد بن الفضل البخاري أنه قال إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة منقطعة وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة وهذا أقرب إلى الفقه لان التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه ودفع الضرر عنه وذلك فيما قاله هذا إذا اجتمع في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة وليان أحدهما أقرب والآخر أبعد فاما إذا كانا في الدرجة سواء كالأخوين والعمين ونحو ذلك فلكل واحد منهما على حياله ان يزوج رضى الآخر أو سخط بعد إن كان التزويج من كف ء بمهر وافر وهذا قول عامة العلماء وقال مالك ليس لأحد الأولياء ولاية الانكاح ما لم يجتمعوا بناء على أن هذه الولاية ولاية شركة عنده وعندنا وعند العامة ولاية استبداد ( وجه ) قوله إن سبب هذه الولاية هو القرابة وانها مشتركة بينهم فكانت الولاية مشتركة لان الحكم يثبت على وفق العلة وصار كولاية الملك فان الجارية بين اثنين إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا كذا هذا ( ولنا ) ان الولاية لا تتجزأ لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة وما لا يتجزأ إذا ثبت بجماعة سبب لا يتجزأ يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأنه ليس معه غيره كولاية الأمان بخلاف ولاية الملك لان سببها الملك وأنه متجزئ فيتقدر بقدر الملك فان زوجها كل واحد من الوليين رجلا على حدة فان وقع العقدان معا بطلا جميعا لأنه لا سبيل إلى الجمع بينهما وليس أحدهما أولى من الآخر وان وقعا مرتبا فإن كان لا يدرى السابق فكذلك لما قلنا ولأنه لو جاز لجاز بالتجزئ ولا يجوز العمل بالتجزئ في الفروج